ابن تيميه
115
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
والتابعين لهم بإحسان فاستحبوا ما كان أولئك يكرهونه ويمنعون منه ؛ هم مضاهون للنصارى ، وإنهم نقصوا من تحقيق الإيمان باللّه وبرسوله والقيام بحق اللّه وحق رسوله بقدر ما دخلوا فيه من البدعة ، التي ضاهوا بها النصارى ، فهذا هذا ، واللّه أعلم . وأيضا فإنه إذا أطيع أمره ، واتّبعت سنّته ؛ كان له من الأجر بقدر أجر من أطاعه واتّبع سنّته ، لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « من دعا إلى هدى ؛ كان له من الأجر مثل أجور من اتّبعه ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء » « 1 » . وقوله : « من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » « 2 » . وأما البدع التي لم يشرعها بل نهى عنها ، وإن كانت متضمّنة للغلوّ فيه ، والشرك به ، والإطراء له ، كما فعلت النصارى ؛ فإنه لا يحصل بها أجر لمن عمل بها ، فلا يكون للرسول فيها منفعة ، بل صاحبها إن عذر كان ضالا لا أجر له فيها ، وإن قامت عليه الحجة استحق العذاب . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح : « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، إنما أنا عبد ، فقولوا عبد اللّه ورسوله » « 3 » . فإن قال هؤلاء الذين قاسوا زيارة قبره على زيارة سائر القبور : إن الناس منعوا من الوصول إليه تعظيما لقدره ، وجعل سلامهم وخطابهم له من الحجرة لأن ذلك أبلغ في الأدب والتعظيم . قيل : فهذا يوجب الفرق ؛ فإن الزيارة المشروعة إن كان مقصودها الدعاء له ؛ فكون ذلك قريبا من الحجرة أفضل منه في سائر المساجد والبقاع ، فالذي يدعو له داخل الحجرة أقرب ، وإن كان القرب مستحبا ، فكلما كان أقرب كان أفضل ، كسائر القبور . وإن كان مقصودها ما يقوله أهل الشرك والضلال من دعائه ؛ ودعاؤه من القرب أولى ، فينبغي أن يكون من داخل الحجرة أولى ، ولما ثبت بالنصّ والإجماع أن هذا القرب من القبر ممنوع منه وهو أيضا غير مقدور عليه ، علم أن القرب من ذلك ليس بمستحبّ ، بخلاف زيارة قبر غيره والصلاة على قبره ، فإن القرب منه مستحبّ إذا لم يفض إلى مفسدة من شرك أو بدعة أو نياحة ، فإن أفضى إلى ذلك منع من ذلك . ومما يوضّح هذا ؛ أن الشخص الذي يقصد أتباعه زيارة قبره ؛ يجعلون قبره بحيث يمكن زيارته ، فيكون له باب يدخل منه إلى القبر ، ويجعل عند القبر مكان للزائر إذا دخل ، بحيث يتمكّن من القعود فيه ، بل يوسع المكان ليسع الزائرين ، ومن
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2674 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 1017 ، 2673 ) من حديث جرير بن عبد اللّه البجلي رضي اللّه عنه . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 3445 ، 6830 ) من حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه .